” الحقيقة هي أن مجانين دوستويفسكي ليسوا مجانين الى الحد الذي نتوهمه لأول وهلة ، كل ما هنالك أنهم مالا نجرؤ أن نكونه ، انهم يُظهرون الى النور ما نكبته نحن في ظلمات اللاشعور ، انهم نحن إذا لوحظنا ورُصدنا من الداخل ” *
هي تلك النوازع الانسانية العواطف الجياشة ، الحب المدفوع بالرغبة والعمى والعقلانية المتأصلة بالأخلاق، المغفرة وتضاربها مع الأصالة والحفاظ على الوجاهة ، في عالم مليء بالعيون والألسن أين يجب أن يعيش المخطئ ؟ وفي الوقت الذي يبحث فيه عن المغفرة أين يجدها ؟ وهل يُمكن أن يتخلى أقرب الأقربين كالأهل مثلاً عن الانسان لأنه انتحى نحواً مُخجلاً ورضخ لعاطفته ، كيف يُمكن للعقل أن يحتمل وطأة الصمود طويلاً ؟ أن يكون وحده المتحكم بالأفعال ، وان حدث هذا كيف سيكون شكل الانسانية . ماهي اذن ؟ تلك التراكمات من التربية والأخلاق مضافاً اليها الطبيعة المميزة للفرد .
يُمكن للأنانية أن تقضي على كثير من النبل في سبيل اخضاع أمرٍ ما لرغبتها ، كما هو الحال في تلك التزعة الطيبة التي تجبر الانسان على أن يتخلى عن أمور يحبها في سبيل المصلحة الأخلاقية أو مصلحة انسان آخر .
” أنا مثلاً قد تحررت منذ مدة طويلة من كل رابطة ومن كل واجب فما أشعر بواجب الا حين يحمل الي منفعة من المنافع . طبعاً ، أنت لا تستطيع أن تواجه الأمور على هذا النحو، لأن هناك قيوداً تشل قدميك انك تحكم على الامور من ناحية المثل الأعلى ، من ناحية الفضيلة وأنا مستعد لأن أسلم بكل ماتقول ، ولكن ما حيلتي وانا مقتنع بأن الأنانية العميقة هي أساس جميع الفضائل الانسانية وأن فضيلة عمل من الأعمال هي على قدر ما ينطوي عليه من أنانية ” **
عندما تخلت ناتاشا عن حياتها من أجل حبيبها الساذج ، استسلمت لرغبة عاطفتها ، وعندما استبقى فانيا على صداقته بناتاشا كان قراره عقلانياً عاطفياً ، وفي الوقت الذي لعن فيه نيقولا سرجتس ” والد ناتاشا ” ابنته الوحيدة كان قراره ملتزماً بالعاطفة الغاضبة المنكسرة الراغبة في حماية الذات ، العقل وحده متجرداً من العواطف كان يحكم شخصية الأمير الكسندروفيتش ونزعة واحدة كانت تتحكم بعقله هي حبه للوجاهة والمال ، أما أليوشاً فيحمل العاطفة في أشد حالاتها براءةً وسذاجة العاطفة الحاكمة له التي هو نفسه لا يفهم كنهاً لها في الوقت الذي يكون كل من حوله قادراً على تكهن تصرفاته ومعرفة دواخل عاطفته ، هناك أيضاً صورة للأخلاق النبيلة الممزوجة باللامبالاة في ماسلوبويف صديق فانيا ، أما هيلين فهي نوع الشخصيات التي تخفي الهشاشة تحت قناع من العناد والغضب والصمت .
الحقيقة ان دوسويفسكي عبّر عن عبقرية فذة عند كتابته لهذه الرواية عندما وضع هذا الكم الكبير من الشخصيات على اختلاف تركيباتها ، والنهاية بحد ذاتها عميقة في الوصول اليها بتلك السلاسة بشكل غير متوقع وغير صادم في نفس الوقت .
هُناك مسارين اراد دوستويفسكي توضيحهما الأول هو الخضوع للنزعات الثائرة والتي تحمل معها الحياة البائسة والتي عادةً ما يكون سببها التمسك برأي مفروض بوجود عتيق لأساس اجتماعي صارم ، والآخر هو نتيجة الغفران ، في الوقت الذي عرض فيه حكايتين متشابهتين في الأحداث كان يُمكن لهما أن ينتهيان نفس النهاية المصيرية ، وضع دوستويفسكي مساراً جديداً ممكناً ، ففي الوقت الذي كان يُمكن له فيه أن يختم الرواية بصورة متحجرة لشخصية ذات ردات فعل كلاسيكية كانت موجودة نموذجاً ، وضع نهاية أخرى واقعية ممكنة . ما أراده اذن هو رسم لوحة كاملة عن النتائج المترتبة على الخطيئة ووضع الاحتمالات الممكنة لتقبلها .
* من مقدمة الرواية .
** من الرواية .
